ابن خلكان
503
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وباه تميما بالغنى إن للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق فإن جميع الناس إما مكذّب * يقول بما تهوى وإما مصدق يقولون أقوالا ولا يعلمونها * ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحققوا وأما الأحنف فإنه تغيرت منزلته عند عبيد اللّه أيضا ، وصار يقدم عليه من لا يساويه ولا يقاربه . ثم إن عبيد اللّه جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف وتوجه بهم إلى الشام للسلام على معاوية ، فلما وصلوا دخل عبيد اللّه على معاوية وأعلمه بوصول رؤساء العراق ، فقال : أدخلهم إليّ أولا فأول « 1 » على قدر مراتبهم عندك . فخرج إليهم وأدخلهم على الترتيب كما قال معاوية ، وآخر من دخل الأحنف . فلما رآه معاوية - وكان يعرف منزلته ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته - قال له : إليّ يا أبا بحر ، فتقدم إليه فأجلسه معه على مرتبته وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحادثه وأعرض عن بقية الجماعة ؛ ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من عبيد الله والثناء عليه ، والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال : إن تكلمت خالفتهم ، فقال لهم معاوية : اشهدوا عليّ أنني قد عزلت عبيد الله عنكم ، قوموا انظروا في أمير أوليه عليكم وترجعون إليّ بعد ثلاثة أيام . فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم وفيهم من عيّن غيره وسعوا في السر مع خواصّ معاوية أن يفعل لهم ذلك ، ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية ، والأحنف معهم ، ودخلوا عليه فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول ، وأخذ الأحنف إليه كما فعل أولا وحادثه ساعة ، ثم قال : ما فعلتم فيما انفصلتم عليه ؟ فجعل كل واحد يذكر شخصا ، وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال ، والأحنف ساكت ، ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدّث مع أحد في شيء ، فقال له معاوية : لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال الأحنف : إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد من يعدل عبيد اللّه ولا يسدّ مسدّه ، وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك . ولم يكن في
--> ( 1 ) كذا في المسودة .